محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أحصرتم ، فأردتم الإحلال من إحرامكم ، فعليكم ما استيسر من الهدي . ولا تحلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى يبلغ الهدي = الذي أوجبته عليكم لإحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتم فيه ، قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه = محله . ( 1 ) وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه . فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه ، ( 2 ) حتى يبلغ الهدي - الذي أباح الله جل ثناؤه له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه - محله . * * * ثم اختلف أهل العلم في " محل " الهدي الذي عناه الله جل اسمه ، الذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الذي أحصر فيه . فقال بعضهم : محل هدي المحصر الذي يحل به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه = إذا كان إحصاره من خوف عدو منعه ذبحه ، إن كان مما يذبح ، أو نحره إن كان مما ينحر ، في الحل ذبح أو نحر أو في الحرم = [ حيث حبس ] ( 3 )
--> ( 1 ) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 446 " وقوله : " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " معطوف على قوله : " وأتموا الحج والعمرة لله " وليس معطوفا على قوله : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " كما زعمه ابن جرير رحمه الله . لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية ، لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم ، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم . فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم ، فلا يجوز الحلق " حتى يبلغ الهدي محله " ، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة - وإن كان قارنا - أو من فعل أحدهما ، إن كان مفردا أو متمتعا ، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت : يا رسول الله ، ما شأن الناس ؟ حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ! فقال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي ، فلا أحل حتى انحر " . وفي تخطئة ابن كثير لأبي جعفر ، نظر وتفصيل ليس هذا موضعه لأنه يطول . ( 2 ) الحلاق مصدر كالحلق والتحلاق ، يقال : رأس جيد الحلاق ( بكسر الحاء ) وقد أكثر مالك من استعمال هذا المصدر في الموطأ ( انظر : 395 ، 396 ) . ( 3 ) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام .